وبعد سقوط البتراء تحولت الطرق التجارية الى مدينة تدمر. ومن الجدير بالذكر ان الخط النبطي
المأخوذ من الارامي هو ما خرجت منه الكتابة العربية التي نتناولها اليوم واللهجة التي جاء به القرآن الكريم متطورة من اللهجة النبطية
المتأخرة.
مملكة تدمر:
كان مركز تدمر في الصحراء عند طرف البادية التي تفصل العراق عن الشام، وكانت هذه المدينة تجارية، شأن البتراء، ومحطة لمرور القوافل
منذ القرن السادس قبل الميلاد. وقد حاول الرومان فتحها في نصف القرن الاول ق. م. ففشلوا.
ثم تدخلوا في امورها حتى صارت مستعمرة رومانية في عهد سبتيموس سفيروس الذي مات عام 211 . وكان معظم سكان تدمر آراميين. إلا ان السيطرة
فيها كانت للعرب. ويقال انهم كانوا من العمالقة، او من بقاياهم.
العرب
المتعربة:
وهم عرب الجنوب، ويدعون الفحطانيين، نسبة الى يعرب بن قحطان.
وقد سموا متعربة لانهم اخذوا العربية عن العرب البائدة، فهم ليسوا عرب خلص. ويقول الرافعي: (ويعرب هذا هو الذي يزعم العرب انه اصل
اللغة الفصحى)
ويقول ابن دحيا: (وسمي يعرب بن قحطان ـ واسمه مهزًم ـ لانه اول من انعدل لسانه عن السريانية الى العربية)
وفيما يلي
نعدد الممالك العربية الجنوبية:
الدولة
المعينية:
نشأت في بطن اليمن، ثم استولت على معظم المناطق الجنوبية. وهم اقدم شعب عربي جنوبي وصلت الينا اخباره. إذ ان دولتهم ظهرت في اليمن منذ
القرن الثالث عشر ق. م. وعاصمتهم معين ينسبون اليها. بالاستناد الى النقوش التي عثر عليها وبعض الاشعار.
لقد شمل نفوذ المعينيين جزيرة العرب كلها. إلا ان دولتهم كانت دولة تجارية، والارجح ان عاصمتهم كانت في بادئ الامر معين كما ذكرنا ثم
صارت (القرن) او (قرنا) وما لبث السبئيون ان غلبوهم على دولتهم.
وقد ذكرت التوراة المعينيين، كما ظهر في آثار بابل، ذكر هذه الدولة بين اخبار (نارام ـ سين) حوالي عام 3750 قبل الميلام. وثمة من يرى
ان المعينيين من بدو الآراميين، تأثروا بالسومريين، في حضارتهم وديانتهم ونزحوا الى الجنوب بعد ذهاب دولتهم في العراق.
الدولة السبئية
وهي تمثل دولة اليمن الكبرى، والاقوال في اصلهم مضطربة ولكنهم تدرجوا في حكمهم من الامارة الصغيرة الى الملك الواسع، وقد ورد ذكرهم في
الكتابات اليونانية والرومانية وفي القرآن الكريم ايضا.
ويرى بعضهم انهم في الاصل قبائل بدوية من الجوف الشمالي، بجزيرة العرب، نزحوا الى الجنوب في القرن الثامن ق. م. وتوسعوا هناك مستفيدين
من ضعف المعينيين، ويدعى القائم على امور الدولة (مكرب) وهو يجمع بين الكهانة والملك، وكانت هذه الدولة تعرف بتجارتها، ويرجع الفضل
الى سبأ في نشر نفوذ الدولة السبئية وهو اول ملك من ولد قحطان، وقيل انه سُمي عبد شمس، وكان اول ملك من ملوك العرب، وسار في الارض
وسبي السبايا.
ينقسم تاريخ الدولة السبئية الى طورين:
الطور الاول وهو العصر السبئي الحقيقي.
والطور الثاني وهو العصر السبئي الحميري.
العصر
السبئي الحقيقي
يبدأ هذا العصر بين القرن الثامن اوالتاسع ق. م. وكان الحكم في الحقبة الاولى يتصف بطابع كنهوتي. ثم تجرد منه في المرحلة التالية،
وابتنوا فيها سدا شهيرا هو سد مأرب، وصارت دولة السبئيين صلة الوصل بين مصر والشام والعراق والهند والحبشة. ولما ذهبت قوة هذه الدولة
تحولت طرق التجارة الى البحر.

ويحكي العرب ان سبب ذهاب دولة سبأ الحقيقية هو انهيار سد مأرب.
العصر الحميري
وحمير في التاريخ هو ابن سبأ. وكان اول ملك لبس التاج من الذهب، مفصصا بالياقوت الاحمر. . .
وكانت هذه الدولة ميًالة الى الحرب، ففتح بعض ملوكها الدول وحاربوا الاحباش والفرس،
وقد حفلت روايات العرب بكثير من المبالغات في وصف اعمال ملوك حمير، كزعمهم ان كبيرهم شمر يهرعش وطئ فارس وخراسان وبنة مدينة سمر قند.
اما اسعد ابو كرب فقد غزا اذربيجان والقسطنطينة وهزم الترك، وان شمًر وصل الى الصين، وكان اخوه قد سبقه اليها، وغير ذلك من اخبار لا
يمكن الوثوق بها.
وقد ذهب الاحباش النصارى بملك الحميريين الذين كانوا يهودا في عهد ذي نواس، وانشأ لهم مملكة على شاطئ البحر الاحمر دامت حتى عام 570
م. المعروفة بعام الفيل، وأجلوا عنها نهائيا عام 575 م.
فتح الاحباش
بما ان الاحباش ليسوا يمنيين بل افارقة، فلن نتوقف عندهم طويلا، هؤلاء غزوا بلاد العرب عام 340 م واجلوا عام 378 م. فأسترجعت حمير
سيادتها.
وقيل ان يهوديا كان في نجران قُتل له ابنان ظلما، فرفع امره الى ذو
نواس فزحف هذا الاخير على نجران وقتل اهلها (ومعظمهم مسيحيون) فأستنجد رجل نجا من المجزرة، ويدعى ثعلبان، بقيصر الروم، فطلب القيصر من
الاحباش المساعدة، فغزا بلاد العرب عام 525 م. وهزموا ذو
نواس وقتلوه
واكثر رجاله، واسسوا لهم هناك مملكة دامت حتى عام 570 م. وهو تارسخ ولادة الرسول (ص) ومات ابرهة الحبشي بالجدري واكثر رجاله.
وقد حاول الاحباش تنصير البلاد فأنشأوا مزارا دينيا في الجنوب لمزاحمة مكة الوثنية وكعبتها، وحدث ان تغاضب ابرهة ورجلان من العرب،
احدهما من قبيلة فقيم والاخر من بني مالك، فأعد العدة للحرب، وهيأ الفيلة للحملة على مكة، إلا انه مات وجيشه بالجدري، وكان خراب سد
مأرب في زمنهم.
حضارة عرب الجنوب
الاجتماع:
كانت كل مملكة تتألف من قصور، ويدعى القصر محفدا يملكه شيخ او امير، وكان بداخل كل محفد معبود، فسموا القصر اما باسم صاحبه واما باسم
المعبود والملك راس الشجرة الحكومية، نادرا ما يبرح قصره، وقد اهملوا الجيش لقلة فتوحاتهم اما نظام الحكم فكان وراثيا.
وكانت طبقات الامة اربعة: الجنود، المزارعون، الصناع، والتجار.
والزواج عندهم كان مشتركا،
يتزوج الاخوة امرأة واحدة.
ولهم ان ينكحوا امهاتهم،
وكذلك كان يشترط عليهم دائما ان يتزوجوا من داخل بيتهم.
الصناعة والزراعة:
لعل اهم ركيزة في ما يمكن ان يسمى صناعة عرب الجنوبين التعدين. فقد كثرت فيها مناجم الفضة والذهب والاحجار الكريمة. وذكر كذلك الحديد
والجواهر والشزب. وكذلك قامت الصناعة هناك على تحضير بعض المنتجات التجارية كالبخور وغيرها.
اما الزراعة فكانت مزدهرة وكثرت البساتين والرياض لا سيما حول المدن واقيمت السدود وتخزين المياه واشهرها سد مأرب.
البناء:
اشتهر الجنوبيون بأقامة المدن مثل مأرب ومعين وظفار وصنعاء وغيرها. وقد كثرت الهياكل و القصور الفخمة واهم تلك القصور قصر غمدان في
صنعاء.
ينسب بناء هذا القصر الى ملك يمني يدعى يشرح بن يحصب، وكان مؤلفا من عشرين طابق، تفصل كل سقف عشرة اذرع، والطبقة الاخيرة سقفها من
الرخام الشفاف، يمكن للناظر ان يرى من خلاله، فيميز الغراب من الحداة في السماء.
وللقصر اربعة اوجه، منها واحد مبني بحجارة بيضاء، وآخر بحجارة سوداء، وثالث بحجارة حمراء،
وكان ثمة اسد من نحاس في كل ركن من اركان القصر، حتى اذا ما هبت الرياح، ترددت اصداؤها في اجواف تلك التماثيل، فكانت تزأر كالاسود.
وعمارة المدن اصلها المحامد، وهي تشبه القلاع وتحيط بها الاسوار.
ولقلة المياه، كثرت السدود لحجز المياه ورفعها لتروي الاراضي بها، هكذا تكاثرت وتجاوزت المئات، منها سد طمحان وسد سحر وسد ذي رعين وسد
شيام وهو في صنعاء واهمها سد مأرب.

سد مارب خريطه
اقيم هذا السد للأفادة من مياه السيول التي تذهب هدرا في فصل الامطار، فاختير موضعه بين جبلي
بلق لحجز المياه، يبلغ طوله من الشرق حوالي ثمانمئة ذراع وعرضه مئة وخمسين ذراعا، ويبدوا من انقاضه الباقية انه كان مبنيا بالتراب
والحجارة، تكسو سطحية طبقة من الحصى كرصيف يمنع انزلاق التراب عندما تتدفق المياه، وعند طرفيه مصاريف للمياه من حجارة متينة ضخمة، علو
كل منها بضعة عشر ذراعا، ومصرف المياه مقام بعوارض ضخمة من الخشب والحديد.
ويعتبر سد مأرب من عجائب الفن الهندسي، ويظهر من النقوش ان باني السد الاول يدعى (يثعي أمرا بأبن وابوه)، وفي النقش الملاصق للجهة
اليمنى كلام تفسيره:
(ان يثعمر بيين بن سمه علي ينوف خرق جبل بلق وبنى مصرفا رحبا لتسهيل الرأي)
وفي الجهة اليسرى نقش تفسيره: (ان سمه علي هو والد يثعمر وقد
بنى كل منهما حائطا، وهما من جيل القرن الثامن ق. م.
)
اما بالنسبة الى تهدمه فيورد العرب طائفة من الاساطير والقصص الخرافية، منها ان جرذا قضم الحجارة وحفر السد واوقع منه صخرة برجله،
فتدفق الماء وانفجر السد.
والحق ان هذا السد تصدع مرات كثيرة ورُمم حتى تهدم واهمل نهائيا في مرحلة سيطرة الاحباش.

التجارة:
اسهم موقع اليمن بوسط العالم القديم في تقوية مركزها التجاري، فازدهرت فيها التجارة ونقلوا منتجات من الهند الى مصر وبلاد الفينيقيين
والاشوريين، برا وبحرا، وجعلوا لبلادهم مرافئ لاستقبال السفن، فعمرت جزيرة مالطة في المتوسط، واشتهرت ظفار، وكان اقوام من البدو
يخفرون القوافل برا ويتوقفون في محطات حتى تصل الى حيث تقصد.
وبعد انقضاء الطور الاول من حكم الحميريين بدأ نجم دولتهم الجنوبية يأفل شيئا فشيئا.
فقد تحول قسم من تجارتهم مع الهند الى مصر في الحقبة الهلينية مع البطالسة، فجاءت اساطيلهم التجارية الى البحر الذي يفصل شبه جزيرة
العرب عن مصر، فسقطت زعامة حمير التجارية واستمرت الحرب التجارية عندما استولى الرومان على زمام الامور وحذو حذو البطالسة واكتشفوا
اسرار الخطوط التجارية وتبدل الرياح الموسمية، فانهار الرخاء في بلدان العرب الجنوبية وسقطت جميع دولهم التجارية:
الدين:
كان معظم عرب الجنوب وثنيين في تاريخهم القديم، وآلهة اليمن قريبة من آلهة البابليين.
وقد آلهو السيارات الفلكية والنجوم، وأخذ عرب الشمال عنهم ديانتهم، ـ كما اخذوها عن الاراميين ـ وقد ارتكزوا على ثالوث
:
-
هو القمر، اكبر الالهة عند المعينيين، ويبدو ان صورته كانت الحية.
-
والشمس (وهي اللات)
-
وابنتها الزهرة، (العزًى).