Back Home Next

 

القرآن دستور الأخلاق
من كتاب فيه مصادر مختلفه

 بقلم الدكتور رضا العطار

ridhaalattar@yahoo.com

احتدم النقاش في موضوع لا خلاف عليه. فلم يقل احد برأي مخالف، ولم يعترض احد على الفكرة المطروحة وهي ان القرآن لا بد ان يكون المنطلق في كل ما نقوم به، ولا بد ان يكون بداية عملنا ...

لهذا اخذت أسأل نفسي: فيم إذن كل هذا النقاش؟ أهو لون من التأكيد على الفكرة نفسها؟
ام هو اعزاز وتقدير لها، يريد كل من شارك في النقاش ان يكون له شرف السبق في التأكيد عليها ... بقيت صامتا أتأمل النقاش الدائر، رافضا جميع التفسيرات السابقة، ذلك ان خاطرا ظل يلح على ذهني حتى اعتقدت انه هو وحده يفسر الموقف تفسيرا سليما وهو ان القوم يشعرون بالحيرة لانهم لا يؤمنون بالفكرة ولا يعرفون السبيل الصحيح لتحقيقها: كيف يمكن ان تتحول من مجرد – كلمات – الى – عمل – من فكرة في الرأس الى واقع ملموس في العالم الخارخي ...؟

لقد ناقش شيوخ الازهر بحث الاخلاق، بدأ بالاخلاق السقراطية، ثم انتقلوا الى الفيلسوف كانط، ثم عادوا الى القرآن، ثم الى الفلاسفة افلاطون وارسطو ثم انتقلوا الى برجسون وهارتمان وغيرهما من الفلاسفة المعاصرين ... الخ وعلى هذا النحو صالوا وجالوا في تاريخ الفلسفة، ناقشوا وفسروا وشرحوا معبرين عن المام دقيق بجميع المذاهب الفلسفية في الاخلاق، وعن هضم وتمثل لكل ما قاله الفلاسفة مع تحليلها من زاوية اسلامية بهدف طرح نظرية الاخلاق متكاملة يستخرجها الباحث من القرآن الكريم

وليس في استطاعتي ان اقدم خلاصة وافية لهذا العمل الجاد في هذا المقال القصير لكنني سأحاول ان اعرض بعضا من هذه الافكار لعلها تغري القارئ بدراسته من ناحية وتدفعه من ناحية اخرى الى التأمل العميق في الآيات التي سأسردها في الفقرات التالية.
يبدأ الباحث بالقاء هذه الاسئلة كي يصور القرآن كونه ينبوع للعناصر الاخلاقية:

  1. من حيث مصدر الالزام الخلقي فلا شك ان القرآن يتحدث عما يمكن ان نسميه بالحاسة الخلقية. يصورها على انها فطرية وانها انبعاث داخلي في باطن الانسان.
    فلقد علمنا الكتاب ان النفس الانسانية قد تلقت في تكوينها الاول الاحساس بالخير والشر، فقد جاء في سورة الشمس (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها)
    ففي الانسان اذن قوة باطنة لا تقتصر على نقده وهدايته فحسب بل انها توجه اليه بالمعنى الصريح اوامر بان يفعل او لا يفعل. لكن هل معنى ذلك ان الانسان قادر على ان يستقل عن الدين لوجود هذا النور الفطري بداخله؟ .. لا شك ان ذلك ظاهر البطلان لان الضمير الفطري اولا فردي في حين ان الاخلاق جماعية، اي انها لا توجد الا بوجود قانون اخلاقي عام يعم الجميع. ومن ناحية اخرى فهذا النور الفطري في الانسان قد لا يظهر الى الوجود بسبب عوامل تعمل على اخفائه منها التربية والبيئة التي نشأ فيها الفرد ومدى احتكاكه بمجتمعه، فذلك يلقي ظلالا كثيفة على النور الفطري الموجود بداخلنا: ولهذا فإن القرآن يرشدنا الى ان الانسان يحتاج الى سلطة اخرى الى جانب ما لديه من نور فطري. وهذه السلطة لا يمكن ان تكون كامنة في المجتمع لان جوهر النفس لم يدركه سوى الانسان نفسه ولا يعرف ما غرس في هذه النفس من خير او شر.
  2. ولكي يكون هناك اخلاق، فانه لا بد ان تكون هناك شخصية مستقلة قادرة على المقارنة والتقويم والاختيار ومن هنا فان القرآن يقف موقفا بالغ الحدة امام عدوين اساسيين للاخلاق،
    1. الاول هو اتباع الهوى بدون روية او تفكير. استمع الى الاية الكريمة من سورة الفرقان (أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا)
    2. اما العدو الثاني هو الاستسلام و الانقياد الاعمى في تقليد الاخرين (قال مترفوها انا وجدنا أبائنا على أمّة وانا على آثارهم مقتدون) سورة الزخرف.
  3. قانون الواجب: لا بد ان تتحول الاخلاق في النهاية الى قانون، وكل قانون لا بد ان يكون عاما يخضع له الافراد جميعا بغير استثناء والاّ سقطت عنه صفة القانون ويتجلى طابع الشمول في القانون الاخلاقي في القرآن في انه يتجه الى الانسانية جميعا. انه يجري على نسق واحد بصرف النظر عن درجات المجتمع، ويكون الحكم واحد على الاصدقاء والاعداء وهو يمتدح الشجاعة ويندد بالذين يتكاسلون عن العمل كما جاء في سورة التوبة (وقالوا لا تنفرون في الحر : قل نار جهنم اشد حرا)
  4. من المبادئ الاساسية التي تقوم عليها القواعد الاخلاقية ان يكون الانسان قادرا على تنفيذها والحق انه من نافلة القول ان نؤكد فكرة الامكان المادي للعمل كشرط اساسي لا غنى عنه للفعل الخلقي فلقد قيل - اذا اردت ان تطاع فأمر بما يستطاع – كما جاء في سورة الانعام (لا تكلف نفسا الاّ وسعها)
  5. اليس العملي ـ ان هذا العرض لا يمكن ان يكون وقفا على الاخلاق الاسلامية بل يجب ان نعتبره السمة المشتركة بين جميع المذاهب الاخلاقية العادلة والمعقولة. لكن النصوص القرآنية لا تكتفي بنفي كل ما هو مستحيل وانما هي تنفي كذلك كل تكليف لا تقر العادة امكان تحمله كما تنفي كل مشقة يمكن ان تستنفذ قوى الانسان حتى لو كانت في حدود طاقته. (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) سورة البقرة .
    وعلى هذا النحو تتكون نظرية متكاملة عن الاخلاق القرآنية، كما برهنت عليها الدراسة الاكاديمية للأزهر الشريف
     

                                                                   

Back Home Next go to top of page