Back Home Next

 

الهجرات العربية القديمة واسبابها

من كتاب فيه مصادر مختلفه

 بقلم الدكتور رضا العطار

ridhaalattar@yahoo، com

 ومن المسلم به تاريخيا ان حوض البحر الأبيض المتوسط  والمنطقة العربية بالذات تعتبر المهد الأول الذي نشأت فيه اقدم الحضارات في العالم  حيث انها وضعت اسس الحضارة الأنسانية  في المرحلة  الحاسمة من  تطورها وهي مرحلة التكوين والتشكيل الحضاري والسياسي،  التي تتضمن العصر الحجري الحديث والعصر الحجري النحاسي،  وهي المصدر الرئيسي  الأقدم الذي تأثرت به حضارات البشرية في جميع انحاء العالم، اذن فهي من  اقدم الأحواض البشرية ان لم تكن اقدمها على الأطلاق، قد حققت في المنطقة العربية الحياة المجتمعية الأولى،  وبينما تطلعنا الوثائق المدونة ان تاريخها يعود الى اكثر من تسعة الاف سنة،  يخبرنا التاريخ الى اننا لن نجد في الحوضين البشريين القديمين للهند والصين ما يعود تاريخهما الى اكثر من ثلاثة الاف عام. 

ان حضارات  الوطن العربي في حدوده المعروفة مازالت اثارها الروحية والفلسفية والكفاحية تتراوح في اهميتها المعاصرة بين التبني من قبل الأوساط البشرية التي تضم الأسلام والمسيحية والموسوية وبين الأهتمام المستمر من قبل الباحثين في العالم  اجمع، 

ان تاريخ الحضارة هنا في المنطقة العربية هو اطول مدى واكثر ثراء وعمقا واتساعا واكثر تسلسلا وترابطا ووضوحا وانسانية كما انه اكثر قابلية للدرس والبحث العلمي (1)

ان الأدوات الحجرية التي صنعها الأنسان والتي اكتشفت في (العبيدية)  بجنوب الشام حديثا قد حدد تاريخها بأشعاع الكربون 14 بزمن ينحصر فيما بين 35000 52000 عام،  في هذه الحقبة الزمنية بالذات كان انسان الهلال الخصيب هو الأول من بني البشر الذي بدأ يدفن موتاه، وقياسا لذلك الزمن السحيق في القدم اعتبر الباحثون هذا الأنسان في مستوى ارقى الحضارات في العالم انذاك (2)

اختلف الباحثون في تعيين المهد الأصلي الذي انطلقت منه الشعوب العربية مهاجرة  الى وادي الرافدين والشام ومصر، حيث افترضوا مناطق عديدة،  من مثل: ارمينيا وشمال افريقيا وشرق اقريقيا وبابل وسورية وشبه الجزيرة العربية، 

اما ما يتعلق بأرمينية،  فقد افترض الباحث بيتر بأنها هي المهد،  وبنى افتراضه على اساس توراتي،  فقد جاء في التوراة (سفر التكوين  8 : 4)  ان سفينة نوح قد رست بعد انتهاء الطوفان في منطقة منابع نهري دجلة والفرات،  طبقا لما ورد في سورة هود في القرأن الكريم، وقد نزل من السفينة حسب رأيه نوح واولاده الثلاثة سام وحام ويافت،  اما حام فقد لعن وطرد،  في حين ذهب  يافت الى بلاد بعيدة،  ليكون فيها شعبا كثير العدد،  ولم يبق بجوار نوح سوى ابنه سام الذي جاء من نسله الساميون،  لكن المعترضون يقولون ان هذه الأخبار لم تحدث في زمن قريب حتى يؤتى برواية تاريخية كهذه، 

اما فيما يتعلق ببلاد الرافدين،  فقد افترض العالم الأيطالي جويدي ان يكون العراق هو المهد،  فقد اهدته دراسته الى ان تسمية   نهر موجودة في كل اللغات السامية القديمة كالعربية والأرامية والبابلية والأشورية والسريانية، وعلى هذا الأساس استنتج جويدي ان منطقة بابل هي مهد الشعوب العربية المهاجرة، 

اما الباحث الأمريكي كلاي فقد افترض ان تكون سوريا هي  المهد كون ان موجات الهجرة التي كانت تصل الى بلاد بابل  كانت تأتي من منطقة امورو في بادية الشام،  لكن هذه النظرية هي الأخرى رفضت بدليل ان سوريا كانت المعبر للقبائل النازحة، 

اما نظرية بارتون المتعلقة بشمال افريقيا التي تستند على وجود التشابه في الخصائص الجسدية واللغوية بين الأحباش والبربر والعرب،  وان القبائل العربية بدأت  هجرتها من شمال غرب افريقيا ومن جبال الأطلس بالذات متجهة نحو الشرق،  حتى اذا ما وصلت الى اقصاه،  انشطروا الى اقسام فقسم منهم دخل مصر والأخر عرج شمالا  واستقر في فلسطين وسوريا وغيرهم واصل  السير واستقر في العراق القديم، 

بينما يعتقد الباحث الأثري جواد علي ان القبائل العربية كانت منتشرة في  سواحل افريقيا الشرقية  في العصر الحجري القديم وبحتمل انها  عبرت مضيق باب المندب الى اليمن ومنها تفرقوا الى مناطق عدة، 

اما النظرية المتعلقة  بشبه جزية العرب فقد  لاقت قبولا من قبل معظم العلماء امثال سبرنجر وموسكاتي وماير وفيلبي فهي التي اخذ بها واعتبرت  هي المهد لهجرة الشعوب العربية، 

 

اما اسباب الهجرات البشرية  فقد عزاها الباحثون الى الجفاف التدريجي الذي حل في المنطقة العربية،  اذ ان الشواهد والدراسات العلمية تؤكد ان هذه المنطقة كانت مطيرة خلال عصر البلايستين،  ولكن مناخها اخذ يتجه نحو الجفاف  ابتداء من العصر الحجري القديم،  وقد نتج عن ذلك اختفاء الكثير من الأنهار والأبار والواحات مما اجبرت السكان الأصليين  الى ترك مناطق  سكناهم والنزوح الى بلدان الهلال الخصيب،   

و سبب هذا التغيير في مناخ المنطقة العربية يرجحه العلماء  الى انحسار الجليد عن اوروبا،  طبقا لأعتقاد  الباحث شايلد  الذي يقول:  كان شمال اوروبا مغطى بطبقات من الثلوج مثلما كانت جبال الألب والبرنيس مغطاة بجبال من الثلوج،  كان الضغط الكبير فوق القطب الشمالي يجعل الأعاصير الحاملة للمطر والقادمة من المحيط الأطلسي والتي تهب حاليا  على اوروبا الوسطى،  كانت قبل اكثر من عشرة الاف سنة تتخطاها متجهة نحو الجنوب،  مكتسحة البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الصحاري لشمال افريقية وجبال لبنان حتى  تصل الى بلاد الرافدين وجزيرة العرب،  وهكذا كانت الصحاري في بلاد العرب التي تعاني من العطش حاليا، كانت تتلقى في ماضي الزمان امطارا بأنتظام،  وكانت الأراضي خصبة مغطاة بالعشب الأخضر طيلة ايام السنة،  ومزدحمة بالسكان،  ويدعم الباحثون المؤيدون لنظرية الجفاف التدريجي بتقديم شواهد حية عديدة،  عن طريق  الأثار اهمها مناطق معان والعلا التي تحولتا من مناطق خصيبة خضراء تكتنفها غابات شاسعة ذات اشجار كثيفة مثمرة،  تكثر فيها الحيوانات المفترسة الى اخرى صحراوية قاحلة،  كانت مدينة مكة المكرمة مثلا تمون بالأخشاب من غابات الطائف، المنطقة التي كانت تزخر بأشجار الثمر حتى الى زمن قيام الدولة العثمانية في القرن السادس عشر،  لقد كانت الجزيرة العربية تنعم  بأنهار  كثيرة،  تحمل مياه الأمطار العذبة الى المناطق الزراعية  حول المدن والقرى الزاهرة مثل نهر الحمث الذي كان احد فروعه يغذي مدينة يثرب التي تغير اسمها الى المدينة المنورة بعد هجرة الرسول الأعظم اليها  كان يتجه غربا  ويصب  في البحر الأحمر،  وكذلك وادي الرمة الذي كان نهره ينبع من موقع كائن قرب مكه،  كان يتجه شرقا ويصب في بحر عمان،  بالأضافة الى ذلك هناك شواهد تاريخية وجغرافية يقدمها الباحث العراقي جواد علي يدعم بها نظرية الجفاف في تغيير المناخ،  قوله : لقد اكتشف عمال شركة ارامكو الأمريكية في مناطق النفط الحالية في كل من نجد والقطيف والأحساء في العربية السعودية على صهاريج ارضية يتصل الواحد منها بالأخر بواسطة انفاق طويلة وعليها فتحات لأستقاء الماء منها،  كانت هذه البقاع الواسعة في قديم الزمان مزارع خضرة وبساتين فاكهة (7)،

يؤكد العلامه صموئيل كريمر ان  تاريخ شبه الجزيرة العربية تاريخ  موغل في القدم وان اولى الهجرات العربية التي خرجت منها الى بلاد الرافدين حدثت سبعة الاف سنة قبل الميلاد  اي في عصور ما قبل التاريخ،  وان وجود مستوطنات وتحصينات حجرية في المسالك  التي استطرقتها الجماعات المهاجرة في كل من فلسطين وسوريا والعراق خير شاهد على ذلك ( 4 )، 

لقد امتزج الأكديون اقدم القبائل العربية المهاجرة من شبه الجزيرة العربية الى العراق القديم  بالسومريين حوالي اربعة الاف  سنة قبل الميلاد وكونوا شعب بابل الذي قدم للحضارة الأنسانية الكثير من ميراثها الثقافي،  ثم تبعهم الأشوريون في الألف الثالث ق م،  ثم العموريون الذين كانت قوافلهم تبدأ سيرها من مدينة مريابة عاصمة سبأ في اليمن متوجهة شمالا بمحاذات البحر الأحمر في سفر شاق طويل عبر الصحراء العربية القاحلة ذات الجو القائض وتحت اشعة الشمس اللاهبة  ولشهور عديدة حاملة معها خطها العربي والهة معابدها حتى يصلوا اخر المطاف الى نقطة التفرع  تيماء  عندها كانوا يتفرقون،  فقسم منهم يعرج  شرقا بأتجاه مدن تدمر والبتراء ودمشق والقسم الأخر يتجه غربا ويدخل مصر عن طريق شبه جزيرة سيناء عبر وادي الحمامات او الطميلات،  والباقون كانوا يواصلون سيرهم  شمالا حتى يدخلوا وادي الرافدين ويستقروا فيه نهائيا،   

اما في الألف الثاني ق م  فقد هاجر الأراميون متخذين نفس الطريق المذكور واستقروا في منطقة السماوة،  المدينة الحالية والكائنة في حوض نهر الفرات الجنوبي  لكن قسما منهم توقف وسط الطريق واستقر في سهل البقاع ، وكذلك  الكنعانيون  الذين بدأوا يهاجرون الى فلسطين منذ الألف الثالث ق م واستقروا فيها الى يومنا هذا لكن قسما منهم  سكن السواحل الشرقية للبحر المتوسط وسموا بالفنيقيين، وان اولى الهجرات لعرب الجزيرة الى مصر كانت من الشمال عبر سيناء حوالي 3500 ق م،  اما الهجرات التي حصلت لهم الى مصر عن طريق الجنوب فكانت خلال الألف الأول ق م استهلها العموريون من اليمن بعد ان عبروا  مضيق باب المندب الى افريقيا ومن هناك واصلوا سيرهم بمحاذاة ساحل البحر الأحمر حتى وصلوا الى دلتا النيل واستقروا فيها وقد ثبتت هذه الحقيقة عن طريق الدراسات الأنثروبولوجية التي اجريت على بقايا هياكل عظمية للعناصر البشرية المهاجرة، ( 5 )،    

اما المناطق التي استقرت فيها القبائل العربية بعد ان نزحت  من الجزيرة  العربية كانت مناطق الهلال الخصيب،  خاصة بادية الشام وبلاد الرافدين،  فظهرت مملكة  الأنباط في البتراء مثلما ظهرت مملكة الغساسنة في  حوران قرب مدينة  دمشق، كذلك ظهرت مملكة المناذرة في الحيرة بالعراق ومملكة  الحضر قرب مدينة الموصل التي اشتهرت في نحت التماثيل للألهة والملوك،  كل هذه الممالك برزت  في الحقبة الزمنية حوالي 300 سنة ق م ، 

كما ظهرت في سهول تهامة  قبائل عدنانية خلال اعوام 1900 ق م ،  اشهرها قبيلة مضر التي هاجرت الى نجد و بادية الشام واستقرت فيهما، وقبيلة ربيعة التي سكنت الحجاز وانحدرت منها قبيلة بني اسد، وقبيلة كنانة التي هاجرت الى مدينة مكة وانحدرت منها قبيلة قريش، اما قبيلة تميم  فقد نزحت الى بادية البصره واستقرت فيها،  كان هناك وجه شبه  بين الهة البلدان العربية حينذاك،  فألهة نجمة الصباح في اليمن كانت تناظر عشتار الهة الأشوريين، و كان كل من عشتروت الهة الكنعانيين والهة القمر في حضرموت شبيهتان بألهة القمر عند البابليين،  وكذالك كان الأمر مع الهة الشمس، فهي شمس في بابل وشمس في حضرموت،  ان التشابه بين هذه الألهة هو دليل ساطع على  انبثاق المجاميع البشرية المتعددة هذه من موطن  واحد، (8)

 

وفي سبيل التعرف على طبيعة  شعوب الوطن العربي الكبير،  علينا ان نلم بعاداتها وتقاليدها وتاريخها واقتصادها،  والحدث السار هو ان الباحثين تمكنوا في  منتصف القرن التاسع عشر من معرفة الكتابة المسمارية وفك رموزها، وعلى اثر ذلك تعرفوا على الكثير من الأسرار التاريخية المتعلقة بالممالك الأكدية والبابلية والأشورية التي كانت تكتب بهذا الخط،  ثم قارنوها مع كل من اللغة العربية والعبرية والأثيوبية وتبين لهم ان اشتقاقات هذه اللهجات تتلاقى جميعها في جذور الأفعال، فالفعل في ابسط صوره مؤلف من ثلاثة احرف مثل فعل وضرب، وكذلك  في صيغ النحو والصرف وكذلك في بنية الكلام وتركيب الجملة كالفعل يسبق الفاعل والصفة تتبع الموصوف، وتبين ان مخارج بعض الحروف الحلقية مثل العين والحاء متشابهة، مثلما يتشابه استخدام المفردات والأعداد والأسماء والضمائر، وعلى هذا الأساس استنتجوا ان الشعوب الناطقة بتلك اللغات ترجع في انسابها  الى اصل واحد سموه بالعنصر السامي، كما اطلقوا مصطلح اللغات السامية على اللهجات المتباينة، وكونها متفرعة من منبع واحد اسموها لغة الأم  (9)

 اما من الناحية الأقتصادية فقد اصبح من الثابت ان حالة المناخ كانت تتحكم دوما  في مصير الجماعات،  فكانوا في الغالب يتركون مناطق سكناهم عندما تتعرض  الى الجفاف وينتقلون الى اخرى صالحة للزراعة، هذه نزعة قديمة عند البدو يلمسها المرأ حتى في يومنا هذا، 

ان التضاريس الأرضية في شبه الجزيرة العربية تتكون من صحاري، تحيط بمعظمها حافة ضيقة من الأراضي المسكونة المطلة على البحر من جهاتها الثلاثة ولهذا لم يكن للسكان خيارا اخر سوى التوجه نحو الشمال كلما عصفت بهم تغيرات مناخية قاسية  والتي تتبعها عادة ضائقات اقتصادية خانقة ولهذا السبب ظهرت الهجرات العربية منذ اقدم العصور،  هذا ما يقوله الباحث طه باقر (10)  

 

لقد ظهرت قديما بعض المراكز التجارية على سواحل الجزيرة العربية اشتهرت بالملاحة البحرية كمملكة مجان على بحر عمان التي كانت لها علاقات تجارية مع بلاد الرافدين حتى قبل ان تظهر فيها الحضارة السومرية،  كانت بضائعها المصدرة تشمل فلزالنحاس والذهب والرخام الصلب الذي كان يدخل في صناعة نحت التماثيل للملوك وللألهة،  هذا ما يذكره رفيق التميمي (11)

اما المملكة الثانية التي نشأت خلال الألف الثالث ق م  على السواحل الشرقية لبحر عمان كانت مملكة تلمون التي كانت لها علاقات تجارية مع كل من السومريين والأشوريين والبابليين، فقد جاء في النصوص، ان زوجة امير لجش   كانت تتقايض معها السلع فكانت تستورد الحنطة والشعير والجبن وبالمقابل تصدر اليهم فلز النحاس،

  

اما المنطقة الثالثة  التي ظهرت فيها الحضارة العربية في التاريخ القديم  كانت اليمن  التي  تميزت بعلاقاتها التجارية الناشطة  مع دول الجوار، وكانت التوابل والبخور والأحجار الكريمة ابرز سلعها،  كذلك ممالك المعينيين والسبئيين في مناطق حضرموت في حوالي 1300 ق م، 

 

يعتبر القرأن الكريم اصدق شاهد واصح مصدر  للتاريخ  العربي في العصر الجاهلي،  ففيه  اخبار العرب البائدة كعاد وثمود وملوك اليمن واصحاب الفيل وابرهم الحبشي والسيل العرم الذي سبب خراب  سد مأرب  وكان احد اسباب الهجرات  العربية الى اطراف متفرقة،   

لقد ظهرت في مدينة اور في جنوب وادي الرافدين على مقربة من نهر الفرات  مستوطنة  بدائية  تدعى مملكة العبيد بضم العين  قبل مجيئ السومريين اليها، وكان شعبها  يسمون بالفراتيين  كانوا خليطا  من اقوام نزحت الى بلاد الرافدين من بلاد فارس وامتزجت بأخرى قادمة من الجزيرة العربية حوالي  4500 سنة  ق م كان قوامها قرى فلاحية بدائية  متناثرة  مارست الزراعة وتفوقت في صناعة الفخاريات الملونة، هذا ما يقوله الباحث صموئيل كريمر الذي قسم تاريخ العراق القديم الى قسمين،  الأول يبدأ منذ ظهور جماعة المستوطنين في مملكة العبيد الى تاريخ قيام دولة سومر وسمى هذه الفترة بعصر ما قبل سومر مثلما سمى القسم الثاني بالعصر السومري،

 

اما بخصوص قدوم السومريين الى جنوب بلاد الرافدين فيعتقد العلامة كريمر انهم  كانوا قبائل بدائية، هاجروا الى العراق القديم  واستوطنوا في جنوبه  قادمين من شمال بحر قزوين في  زمن مملكة  العبيد بضم العين و مملكة  الوركاء و تعلموا بعضا من فنون الحرب من الساميين  كخفة الحركة عند البدوي مثلا، وبذلك اصبحوا قادرين على غزوهم في الربع الأخير من الألف الرابع ق  م، واصبح العنصر السامي خاضعا لسيطرتهم، لكن هجرة الساميين المستمرة  من شبه الجزيرة  جعلت العنصر السامي لن يتلاشى في المجتمع السومري بل تمكن من ان يحافظ على كيانه  المتميز،  فقد كان  مجمع الألهه السومري يضم عددا من الألهة ذات الأصل السامي، وان اول سلالة سامية  في بلاد سومر كانت كيش، الذي كان ملوكها يحملون اسماء سامية،  كما وردت في قاموسهم  مفردات سامية ككلمة سلام في اللغة العربية التي كانت تقابلها شلام في الأكدية وسيليم في السومرية،  (12)

فأذا أخذنا كل  هذه الثوابت بنظر الأعتبار يمكن القول ان الساميين هاجروا من الجزيرة العربية الى العراق القديم قبل مجيئ السومريين ومهما يكن الأمر فالأخصاب الحضاري قد اظهر وجود مدنية راقية في بلاد سومر،  مدنية ربما كان فيها العنصر السامي هو الغالب، وعندما عثر المنقبون  في كل من  منطقة الوركاء على نهر الفرات في جنوب العراق وفي نينوى في شماله وفي جمرة نصر في المسيب قرب بابل على اثار تاريخية تعود الى 3200 ق م  توثقوا ان في هذه البقاع  كانت قد  عاشت حضارات مزدهرة نسبيا  معززة بكتاباتها المسمارية المتطورة، قياسا  بالكتابات الهيروغلوفية زمن الفراعنة في مصر كما توثقوا كذلك ان بين الحضارتين المذكورتين صلات مادية ملموسة حدثت  بفضل العلااقات التجارية،  تتمثل في اباريق فخارية ذات بطون واعناق قمعية الشكل،  اكتشفت في التنقيبات الأثرية  في كل من وادي الرافدين ووادي النيل،

كانت منطقة الشرق العربي في هذه الحقبة الزمنية من تاريخ الحضارات تحتضن اقدم حضارتين انسانيتين على وجه الأرض، اي قبل اكثر من خمسة الاف سنة لا تضاحيها حضارة بشرية اخرى على الأطلاق، هما الحضارة السومرية في وادي الرافدين والحضارة الفرعونية في وادي النيل  

اما الدلائل التي تشير الى وجه الشبه  بين هاتين الحضارتين هي النماذخ للرسوم الفخارية والخرائط المعمارية ورسوم السفن وادوات الصوان والأواني المعدنية والحجرية والنقوش الجدارية واختام الملكية التي يرجع تاريخها الى 3200 سنة قبل الميلاد، (14)

لقد عثر عام 1913 في موقع الأثار التاريخية  لمنفس  في مصر من قبل مجموعة من علماء الروس على برديات كانت تستعمل من قبل الفراعنة للكتابة، وكانت بردية ليدن اكثرها اهمية و ليدن اسم متحف في هولنده  كانت تحتوي على ثلاثة نصوص مدونة بالخط الهيروغلوفي بقلم الحكيم ليبورو الذي عاصر عهد الملك بيبي الثاني، يرجع تاريخ البردية  الى نهايات الدولة الفرعونية القديمة، 2300 ق م ،

كان النص الأول يشمل على وصف الحالة  الأجتماعية انذاك،  اما النص الثاني فكان يتضمن اتهام الملك بالتقصير في واجباته،  والنص الثالث كان يستعرض بعض النصائح الخلقية التي يجب على الحاكم العادل ان يكون متحليا بها،  (15)

والبردية الثانية تسمى بردية بطرسبرغ  تخبرنا عن نزوح العموريين الى مصر من بلاد العرب، اما البردية الثالثة فكانت تتضمن وصايا كتبها الفرعون خيتي الثالث الى خليفته مريكارع، ان هذه البردية موجودة حاليا في متحف ارميتاج  في بطرسبرغ ولها نسختان الأولى في متحف موسكو والثانية في متحف  كبنهاكن،

 

ان اولى الهجرات العربية التي انبثقت في صدر الأسلام  من الحجاز الى الأطراف الشمالية  كانت تشمل جنود جيش الأسلام والأعداد الكبيرة من المدنيين المرافقين له زمن  خليفة المسلمين عمر بن الخطاب الى العراق عام 636 م والى مصر عام 639 م،  بغية نشر الأسلام فيهما،

ثم تبعتها هجرات جماعية متناثرة الى وادي الرافدين الى ان اطل القرن الرابع عشر حتى اشتد زخم الهجرات لتشمل قبائل المنتفك العدنانية وقبائل الزبيد القحطانية ثم عشائر الخزاعل وبنو لام وفرازه وعقيل ونمير وغشير،  ثم تبعتها قبائل ربيعة والعبيد والحميرية وصائح وشمر الطوقة ثم لحقت بها بعد حقبة زمنية عشائر بني تميم وعنزة والظفير وحرب وجبور وشمر الجربة،

 

والجدير بالذكر ان اسباب الهجرات العربية الأخيرة التي حدث خلال القرن الثامن عشر اختلفت في جوهرها عن سابقتها،  كون ان الأولى كانت تكمن في تغييرات المناخ،  بينما الثانية كان باعثها ظهور الحركة الوهابية في الحجاز والتي استعمل اتباعها اسلوب العنف في تغيير معتقدات المسلمين مما حدى بهم الى ترك مناطق سكناهم والألتجاء الى البلدان الأمنة كان العراق في مقدمتها، 

واخيرا، وفي اواخر القرن العشرين وصلت الى العراق اخر مجموعة من عشائر البو محمد واستوطنت مناطق الأهوار واستقرت فيها  بصورة نهائية، وبهم انتهى تاريخ الهجرات العربية بشكلها الجماعي الى بلاد النهرين (6)  

 

ان القبائل العربية التي نزحت الى العراق عبر تاريخه الطويل قد دونت اسمائها وتاريخ وصولها في السجلات الرسمية لدى الحكومة العراقية وهي التي شكلت بالنهاية البنية التحتية لخارطة سكان العراق الحديث (وان الذين يدعون بحداثة شعب العراق وكونه منحدر من اصول فارسية ادعاء باطل تدحضه الثوابت التاريخية هدفهم النيل من عروبته)  (16)،

لقد هاجر الى بلاد النهرين  بعد الفتح الأسلامي المبين جماهير من الصحابة واعلام الفكر ساهموا في توطيد حضارته الموفورة بعدما قاموا بتصحيح اللغة العربية طبقا للغة القرأن الزاخرة بالعبارات النضرة،  وبذلك  غدت العربية  اكثر قدرة على المناورة وامضى بلاغة في التعبير مما كان له اكبر الأثر في انشاء مدارس النحو في كل من الكوفة والبصره التي ساهمتا في تنشيط الحركة الأدبية والدينية والفلسفية التي لامسنا ثمارها الحلوة  وتجلياتها الأبداعية  في الأحتفالات السنوية  المشهودة  لمهرجان المربد، كان معظمها مزيجا من الأدب في اروع صوره او في العلوم العقلية في ابهى مظاهرها.     

 

المصادر

  1. نصر شمالي في موضوعات للذاكرة العربية الأسس والثوابت والمصير منشورات دار المستقبل دمشق الطبعة الأولى ص 7، 1994

  2. روجه غارودي فلسطين ارض الرسالات السماوية ص 24 دمشق دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1991

  3. فليبي تاريخ  الجزيرة العربية

  4. صوئيل كريمر من الواح سومر ترجمة طه باقر بغداد 1975

  5. عبد العزيز صالح حضارة مصر القديمة واثارها ج1 القاهرة 1962

  6. حنا بطوطه المجتمعات القديمة وحركات الثورة في العراق برستون 1985

  7. جواد علي تاريخ العرب قبل الأسلام ج1 بغداد 1955

  8. فرانكفورت الحضارات في الشرق الأدنى ترجمة ميخائيل خوري،  بيروت

  9. جواد علي المصدر السابق

  10. طه باقر علاقات دار الرافدين بجزيرة العرب ج 5 بغداد 1949

  11. رفيق التميمي  جو الجزيرة العربية واثره على الهجرات العربية  1944

  12. صموئيل كريمر المصدر السابق

  13. احمد بدوي اللغة المصرية القديمة وصلتها باللغات السامية القاهرة 1961

  14. مورتجات تاريخ الشرق الأدنى القديم ترجمة توفيق سليمان دمشق 1967

  15. احمد فخري مصر الفرعونية القاهرة 1971

  16. رأي كاتب المقال     

  

    Back Home Nextgo to top of page